اركــان الاســـلام والايمــان

اركان الإسلام

 

لقد لقن علماء الدين للمسلمون الآبائيون ان الاسلام بني على خمس وهذا ما يدل عليه الحديث النبوي من البخاري ومسلم كالعادة :-

 

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بني الإسلام على خمس: ١-شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ٢- وإقام الصلاة ، ٣- وإيتاء الزكاة، ٤- وصوم رمضان ،   ٥- وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا"(رواه البخاري ومسلم)

 

والغريب اننا لانرى هنا الايمان بالغيب والبعث والحساب والقدر خيره وشره ....الخ فهذه اعتبرت من الاحسان او من اركان الايمان ؟؟

 

الا ان الحقيقة ان ما قيل اعلاه هو خلط من كل شيء في كل شيء اي كانك تأكل سلطة فالمهم ان كل المكونات موجودة !!

 

والآن كما عودناكم ، تعالوا الى كتابنا المفضل ، كتاب الله تعالى وقرآننا مع الادوات البسيطة التي لدينا كما ذكرنا من قبل وهي برنامج المصحف الرقمي ذو ١ ميغا بايت الذي قهر اكبر حفظة القرآن بميزاته وهي اداة البحث لترينا في كبسة زر كل آيات القرآن التي عرفت أركان الأسلام ومن ثم أركان الأيمان .

 

كما ذكرنا باسهاب في مقالنا اعلاه " من هو المسلم الحقيقي والمسلم الآبائي " وجدنا ان كل من اسلم وجهه لله تعالى حنيفا ثم لم يشرك به ثم عمل الصالحات وهو محسن فهو المسلم الذي تكلم الله تعالى عنه وهذا حسب التالي :-

 

اركان الأسلام في القرآن :-

١- شهادة ان لا اله الا الله

٢-الايمان بالآخرة والبعث والحساب

٣-العمل الصالح لوجه الله تعالى

 

وبهذه الاركان يصبح الخلق من جن وبشر جميعهم مسلمين ، كما قال الله تعالى :-

الجن - (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً) الجن 14.

إبراهيم - (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلما …) آل عمران 67.

يعقوب - (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). البقرة 132.

يوسف - (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) يوسف 101.

سحرة فرعون - (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين) الأعراف 126.

فرعون - وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا، حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين )يونس 90.

الحواريون - (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون) آل عمران 52.

نوح - (فإن توليتم فما سألتكم من أجر، إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين * فكذبوه فنجيناه ومن. معه في الفلك …) يونس 72، 73.

لوط - (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) الذاريات 35، 36.

 

اذا نفهم من الآيات في تسلسلها أعلاه، أن الجن وإبراهيم ويعقوب والأسباط ويوسف وسحرة فرعون والحواريون ونوحاً ولوطاً، كانوا من المسلمين، وأن فرعون حين أدركه الغرق نادى بأنه منهم. وهؤلاء جميعاً لم يكونوا من أتباع محمد (ع)، فالحواريون من أتباع عيسى (ع) وسحرة فرعون من أبتاع موسى (ع).

 

وللتوضيح اكثر بعد ان عرفنا اركان الاسلام ، نعود إلى التنزيل الحكيم، ونحن متفقون على أنه صادق خال من الحشو، لنقرأ فيه:

- (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات …) الأحزاب 35.

- (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات …) التحريم 5.

- (قالت الأعراب آمناً قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم …) الحجرات 14.

 

ونفهم من الآيات أمرين،

الأول أن المسلمين والمسلمات شيء والمؤمنين والمؤمنات شيء آخر،

والثاني أن الإسلام يتقدم دائماً على الإيمان ويسبقه.

 

ونفهم من هذا كله أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر، وأن الإسلام متقدم على الإيمان سابق له، وأن المسلمين ليسوا أتباع محمد (ع) حصراً.

ونصل أخيراً إلى السؤال الكبير: إن كانت الشهادة برسالة محمد (ع)، والشعائر من أركان الإسلام، فكيف يصح إسلام فرعون وهو لم يلتق إلا بموسى (ع)، وإسلام الحواريين وهم لم يعرفوا سوى المسيح عيسى بن مريم، وإسلام غيرهم ممن أثبت التنزيل الحكيم إسلامهم فيما ذكرنا من آيات، وهم جميعاً لم يسمعوا بالرسول الأعظم، ولم يصوموا رمضان، ولم يحجوا البيت؟

 

لقد أقامت كتب الأصول والأدبيات الإسلامية أركاناً للإسلام من عندها، حصرتها في خمس، هي التوحيد والتصديق برسالة محمد (ص) والشعائر، مستبعدة العمل الصالح والإحسان والأخلاق من هذه الأركان. فالتقت، دون أن تقصد، بالعلمانيين والماركسيين من أصحاب مشاريع الحداثة والتجديد، كما أسلفنا، ووقعت دون أن تقصد أيضاً، فيما وقع فيه اليهود والنصارى!!

يقول تعالى في محكم تنزيله:

- (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة، 111، 112.

فاليهود يحصرون الجنة باليهود، وما عداهم في النار، والنصارى يحصرون الجنة بالنصارى وما عداهم في النار، والتنزيل يعتبر ذلك كله أوهاماً منهم لا برهان عليها، ويصحح لهم أوهامهم بصراحة لا لبس فيها، قائلاً أن الجنة يدخلها كل من (أسلم وجهه لله وهو محسن).

 

وتأتي أركان الإسلام الموضوعة لتقول: لا يقوم إٍلاسلام إلا على التصديق برسالة محمد (ص)، وعلى الصلاة والزكاة والصيام والحج. وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله، في زعمهم، غيره، ولا يدخل الجنة إلا أصحابه. ونسأل نحن: أليس هذا بالضبط ما قالته اليهود والنصارى، فتصدى لهم سبحانه في التنزيل؟

 

لقد تم اعتبار الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيع من أركان الإسلام. فإذا ما فتحنا التنزيل الحكيم، وجدناه يكلف المؤمنين بهذه الشعائر ؟! ، وليس المسلمين. واقرأ معي قوله تعالى:

- (.. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء 103.

- (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، إن الله بما تعملون بصير) البقرة 110.

- (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) النور 56.

- (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ..) البقرة 183.

إلى قوله تعالى:

- (.. فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..) البقرة 185.

 

ونجد أنفسنا أمام سؤال كبير: لماذا تم استبعاد الجهاد، والقتال، والقصاص، والشورى، والوفاء بالعقود والعهود، والعديد العديد من الأوامر والتكاليف، من أركان الإسلام، مع أن حكمها واحد في الآيات كحكم الصلاة والزكاة والصيام والحج؟

 

ونقرأ قوله تعالى:

- (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم) الأنفال 74.

- (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) الحجرات 15.

- (كتب عليكم القتال وهو كره لكم .. والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة 216.

- (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ..) البقرة 178.

- (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الشورى 38.

- (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ..) المائدة 1.

- (.. وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) الإٍسراء 34.

- (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ..) الإسراء 34.

- (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ..) الإسراء 35.

- (ولا تقف ما ليس لك به علم ..) الإسراء 36.

- (ولا تمش في الأرض مرحاً ..) الإسراء 37.

- (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ..) النور 27.

 

كما نجد أنفسنا، مع أركان الإسلام المزعومة التي تضم الشعائر فقط، أمام تحريف خطير لما ورد في التنزيل الحكيم. فالدين عند الله الإسلام، لا يقبل ديناً غيره .. ولكن الدين الإسلامي عند الله دين الفطرة الإنسانية التي فطر سبحانه الخلق عليها، بدليل قوله تعالى:

- (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) الروم 30.

 

ولا بد أن تكون أركان هذا الإسلام، بدليل قوله تعالى، فطرية مقبولة، تتماشى بشكل طبيعي مع ميول الخلق. فهل الشعائر (إقامة الصلاة – الصوم – حج البيت – الزكاة) التي افترضوا أنها من أركان الإسلام، فطرية؟ تتجه إليها النفوس والأرواح والعقول مدفوعة بفطرة الخلق؟

لنأخذ الزكاة مثلاً، لنجدها ضد الفطرة الإنسانية تماماً!! فالزكاة إخراج للمال وإنفاق له، بينما جبل الله خلقه على كنز المال وحبه، كجزء من أجزاء غريزة حب البقاء، يقول تعالى:

- (وتحبون المال حباً جماً) الفجر 20.

- (.. ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ..) البقرة 177.

- (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ..) الحديد 20.

- (إن الإنسان خلق هلوعا * إذ مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا) المعارج 19-20.

ولننظر إلى الصوم كمثل آخر، لنجده يتعارض مع الفطرة، ومع غريزة حب البقاء، تعارضاً عمودياً!! فالأصل في الفطرة أن يأكل المرء حين يجوع، ويشرب حين يعطش، ويطلق للسانه العنان سباً وشتماً حين يغضب. أما الصوم فهو تهذيب لهذه الوجوه الوحشية البهيمية من الفطرة، وقمع لهذه الغرائز التي أوجدها الخالق في الخلق لحماية النوع والحفاظ على البقاء.

ثمة مثال ثالث، لم يرد عند واضعي أركان الإسلام، رغم أنه تكليف أمر الله به المؤمنين، هو القتال، في هذا المثال يوضح سبحانه (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ..) البقرة 216، أن القتال كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلهم، مما يذكرنا بآية الصوم (البقرة 183) التي تنص على أن الصيام كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلهم، ويذكرنا بأن الصلاة (كتاباً موقوتاً)، لكن البقرة 216 تزيد فتوضح بما لا يقبل الشك بأن الله يأمر المؤمنين بالقتال وهو كره لهم.

 

صدق الله العظيم، فالقتال ضد الفطرة، والزكاة ضد الفطرة، والصيام ضد الفطرة .. وباختصار، الشعائر كلها ضد الفطرة .. ولو كانت من الفطرة لما أنزلها تعالى في محكم كتابه، وكلف المؤمنين بها تكليفاً، ولترك الخلق يؤدونها بفطرتهم دون أمر منه، تماماً كما تمتنع البقرة عن أكل اللحم، بفطرتها التي فطرها الله عليها.

لقد اقتصرنا حتى هذه لسطور، على دحض مزاعم واضعي أركان الإسلام الخمس، وعلى تنبيه القائلين بها إلى مخالفة ذلك للتنزيل الحكيم .. ولكن هل وضع التنزيل أركاناً للإسلام؟ .. وما هي؟

ونقرأ قوله تعالى:

- (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 62.

- (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) فصلت 33.

- (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ..) البقرة 112.

- (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون) الأنبياء 108.

- (.. قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا اسرائيل وأنا من المسلمين) يونس 90.

- (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ..) البقرة 128.

- (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ..) النساء 125.

- (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا …) المائدة 44.

 

ومن هذه الآيات وغيرها كثير، نفهم أن الإسلام هو التسليم بوجود الله، وباليوم الآخر. فإذا اقترن هذا التسليم بالإحسان والعمل الصالح، كان صاحبه مسلماً، سواء أكان من أتباع محمد (الذين آمنوا) أو من أتباع موسى (الذين هادوا) أو من أنصار عيسى (النصارى) أو من أي ملة أخرى تلتقي مع هذا الطرح (الصابئين).

 

فإذا قرأنا في ضوء ما تقدم قوله تعالى في أول سورة البقرة: (ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) نفهم أن الغيب هنا هو الله واليوم والآخر، وأن العمل الصالح والإحسان هو أركان الإسلام.

 

فإذا فهمنا ذلك كله، رأينا منطقياً وطبيعياً أن يقول سبحانه إن الدين عنده هو الإسلام، وأنه لا يقبل ديناً غيره، إذ كيف يقبل الخالق من عباده ديناً هو غير موجود فيه بالأصل.

 

وإذا فهمنا ذلك، ورأينا هذا، انتبهنا إلى أن التنزيل الحكيم حين يتكلم عن الإيمان، وعن الذين آمنوا، فهو يتحدث عن نوعين من الناس، أو لنقل نوعين من الإيمان، أولهما الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الإسلام، ثانيهما الإيمان بمحمد (ص) ورسالته. ويدلنا على ذلك بشكل لا يقبل اللبس ما ورد في التنزيل الحكيم، وما سنعود إليه تفصيلاً مع القول في الإيمان.

 

رأينا حتى الآن أن التنزيل يضع للإسلام أركاناً ثلاثة هي:

١- الإيمان تسليماً بوجود الله.

٢- الإيمان تسليماً باليوم الآخر (ولاحظ معي هنا أن التسليم باليوم الآخر يعني ضمناً التسليم بالبعث). أي أن الإيمان بالله واليوم الآخر هي المسلمة التي لا تقبل النقاش عند المسلم.

وهذه هي تذكرة الدخول إلى الإسلام.

٣- العمل الصالح والأحسان. (انظر فصل الذنوب والسيئات).

 

ونتبين في هذه الأركان الثلاثة جانبين: جانب نظري بحت هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وجانب منطقي عملي هو العمل الصالح والإحسان.

 

إذ لا معنى للإيمان النظري دون سلوك عملي ينعكس فيه ويتجلى من خلاله، ومن هنا نفهم قول الرسول الأعظم إن صح، : الخلق عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

 

- الإجرام والمجرمون

 

فإذا أردنا تعميق فهمنا للإسلام والمسلمين في التنزيل الحكيم، فما علينا إلا أن ننظر في تعريف المصطلح المضاد للإسلام وهو الإجرام، والمصطلح المضاد للمسلمين وهو المجرمين في قوله تعالى:

- (أفنجعل المسلمين كالمجرمين * مالكم كيف تحكمون) القلم 35، 36.

 

لقد ورد الأصل "جرم" ومشتقاته 67 مرة في التنزيل الحكيم. وهو أصل واحد في اللسان العربي يعني القطع. ومنه سميت الأجرام السماوية أجراماً لأنها منفصلة مقطوع بعضها عن بعض. ومنه جاء قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) النحل 109،

أي أن خسارتهم في الآخرة أمر مقطوع مبتوت به.

 

وإذا كان المصطلح القانوني المتداول اليوم، يسمي السارق والقاتل والغاضب مجرماً، فإن الأصل في ذلك أن المجرم هو الذي قطع صلته بالمجتمع وقوانينه وانطلق يجري على هواه. تماماً كالمجرم في التنزيل الحكيم، الذي قطع صلته بالله، فأنكر وجوده، وكفر باليوم الآخر، وكذب بالبعث والحساب.

وهو ما نطلق عليه بمصطلحنا المعاصر اسم "الملحد".

ونقرأ قوله تعالى:

- (.. ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون) القصص 78.

- (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) يس 59.

- (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) الروم 12.

- (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام * فبأي آلاء ربكما تكذبان * هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) الرحمن 41، 42، 43.

- (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) النمل 69.

- (كذلك نفعل بالمجرمين * ويل يؤمئذ للمكذبين) المرسلات 18، 19.

 

ونحن هنا مع الآيات أمام صور تصف مجرمين انفصلوا عن الاسلام وهدي الله تعالى ينكرون البعث، ويكفرون بوجود الله، ويكذبون باليوم الآخر، قاموا من أجداثهم بعد نفخة الصور الثانية، فرأوا رأي العين ما كانوا يكذبون بوجوده، فبهتوا دهشة، وبأن ذلك على وجوههم، إلى حد لا يحتاجون معه إلى سؤال وجواب، فهم يؤخذون بدلالة ماارتسم على وجوههم من دهشة واسوداد ...الخ كما تصفهم الآيات ، ليصلوا النار التي كانوا بها يكذبون.

 

أما لماذا لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، فسببه واضح تماماً.

أولاً لأن المجرم إنسان ملحد لا يؤمن بوجود الله، وهذا وحده كاف لأن يعطيه تذكرة مرور إلى جهنم دونما حاجة إلى ميزان أو حساب، إذ ليس له بالأصل أي حساب مفتوح عند الله بحكم قطعة لصلته به.

ثانياً لأن الذنوب مع الله كترك الصلاة وإفطار رمضان وإخسار الكيل وتطفيف الميزان، ذنوب قابلة للأخذ والرد والتكفير والمغفرة، لو أن صاحبها آمن مبدئياً بالله واليوم الآخر. أما مع المجرم فلا حاجة للسؤال عن الذنوب، وقد تحقق الاجرام بالله والتكذيب بيوم الدين، وقطع الصلة مع الله واليوم الآخر.

 

ومن هنا .. فان موقف اعتقاد هؤلاء من قطع الصلة بالله والبعث..الخ نرى الآيات تشرح هذا الموقف بقوله تعالى:

- (إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين) المدثر 39-46.

 

الصورة هنا لأصحاب اليمين في الجنة، يسألون المجرمين ماذا أوصلكم إلى النار؟ فيجيب المجرمون:

١-لأننا لم نعتنق الإسلام نظرياً وعملياً.

٢-لم نسلّم بوجود الله فقطعنا صلتنا به (لم نك من المصلين)

٣-ولم نسلّم باليوم الآخر (وكنا نكذب بيوم الدين)،

٤-ولم نقدم عملاً ينفع الخلق (لم نك نطعم المسكين)

٥-بل علمنا ما يسيء ويضر (وكنا نخوض مع الخائضين)،

٦-إلى أن رأينا يقيناً كل ذلك حاضراً، فانتهينا إلى ما ترون.

 

ولقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المصلين في الآية هم مقيمو الصلاة، إلا أننا حين رجعنا إلى آيات التنزيل الحكيم، لم نجده يطلق اسم المصلين على القائمين بالصلاة هذا من جهة، من جهة أخرى ترك الصلاة أو الصيام لا علاقة له بالإيمان بالله واليوم الآخر، ومرتكبوها ليسوا مجرمين،

 

إلا ان الله تعالى وضح للناس في الكتاب ان المجرمين ليست لهم صفات مميزة يعرفون بها في الحياة الدنيا :

1 - فهم يخفون أنفسهم (لا يعرف المجرمون بسيماهم ..) الرحمن 41.

2 - ويضحكون من المسلمين المؤمنين بالله واليوم الآخر ويستهزئون بهم (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) المطففين 29.

3 - وقطعوا كل صلة لهم بالله، بدلالة تسميتهم مجرمين.

4 - ليس لهم وقفة أمام الله في الآخرة، وليس لهم حساب مفتوح عنده، إذ ليس مع الإجرام ذنب (.. ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون) القصص 78.

5 - المجرمون المكذبون المستهزئون حصة الله تعالى في الحياة الدنيا، لقوله:

- ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) القلم 44.

- (إنا كفيناك المستهزئين) الحجر 95.

 

وهذه الصفات التي اختاروها لأنفسهم، هي التي تدخل بهم إلى أعمق وديان جهنم، وتميزهم عن المسلمين المؤمنين الذين شاب صلواتهم المكتوبة سهو أو غفلة لسبب أو لآخر.

 

ونختم مقالنا بقولنا إن الإسلام لا يتم إلا بالصلة بالله (الإيمان بالله واليوم الآخر) وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له، وبذلك أموت وأنا أول المسلمين) الأنعام 162، 163.

 

نلاحظ في آيتي الأنعام أن الصلاة جاءت من الصلة وجاء في آخر الآية ذكر المسلمين. أما قوله (.. وأنا أول المسلمين) فتعني أن الإسلام الذي بدأ بنوح آل إلي أي انتهى بي وإلا فكيف يكون نوح من المسلمين وإبراهيم أبا المسلمين ثم يصبح محمد أول المسلمين؟ هنا الأول بمعنى النهاية والمآل. وهذا ينطبق مع قوله تعالى:

 

وأنا أول المسلمين ===> اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.

وأنا أول المسلمين ==> ولكن رسول الله وخاتم النبيين.

 

كما ورد في سورة المعارج وهي مكية قوله تعالى:

- (إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون) المعارج 19-23. وكذلك قوله تعالى:

- (والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون * أولئك في جنات مكرمون) المعارج 33-35. ونلاحظ أن الصلاة جاءت في الحالتين من الصلة وليس من الصلوة، لأن سورة المعارج من السور المكية.

 

ونعود لنختم قولنا في الإسلام وأركانه، بوقفه لا بد منها، تبين أسباب اختلاف ما وصلنا إليه من أركان للاسلام، عما هي عليه في كتب الأصول والأدبيات الإسلامية التراثية.

 

فلقد انطلقنا منذ البداية ، من منطلق إنكار الترادف في اللغة، فإذا كان الكتاب عندنا غير القرآن، والبعد غير النأي، والذهاب غير المضي، فالأحرى أن يكون الإسلام غير الإيمان.

 

ورغم أن الناقدين اللغويين-غفر الله لهم- وهموا فيما ذهبنا إليه، وبالغوا في سحب ما قلناه سحباً فاحشاً على ما لم نقله، وحسبوا أننا حين ننكر الترادف ونفرق بين الكذب والافك والافتراء، فنحن نقول ضمناً بالتعارض العمودي بين هذه الألفاظ، وفاتهم أن نفي الترادف يقوم على الفروقات بين الألفاظ وليس على تعارضها وتضادها.

 

فالجزم والجرم، والجز والحز، والبت والقط، والبتر والشطر، ألفاظ من خندق واحد، هو القطع، إلا أن بينها فروقات، إذا جاز لنا أن نغفلها أو نتغافل عنها في صحفنا ومجلاتنا فلا يجوز ذلك البتة ونحن نتدبر التنزيل الحكيم،

 

وإذا كان غادر وبارح وترك، في مقام واحد متماثل .. وكان أنبأ مثل أخبر، فلماذا نسمي محمداً (ص) نبياً ولا نسميه مخبراً؟

 

 

لكن كتب الأصول كلها ترسخ الترادف وتنطلق منه. فالإمام البخاري يستهل "كتاب الإيمان" في صحيحه بقوله:

1 - باب الإيمان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (بني الإسلام على خمس).

 

وتابعه من جعل للإسلام خمسة أركان، معتمداً على ما ورد في هذا الحديث بالذات (رقم 8 عند البخاري و16 عند مسلم)، تاركاً جملة من أركانه أخرى، وردت في أحاديث أخرى نسوق أمثلة منها.

- إطعام الطعام خير أعمال الإسلام (رقم 12 البخاري).

- إفشاء السلام خير أعمال الإسلام (رقم 28 البخاري).

- النصح من الإسلام (رقم 58 البخاري).

 

وليس هذا فقط، بل تم ترك جملة من الأحاديث، تباينت فيها أركان الإسلام فزادت في أحاديث ونقصت في أحاديث، نسوق أمثلة منها:

- بايع جرير بن عبد الله الرسول (ص) على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. (رقم 57 البخاري) .

- الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. (رقم 50 البخاري).

- دنا رجل يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله (ص): خمس صلوات في اليوم والليلة .. وصيام رمضان .. وذكر له الزكاة. (رقم 46 البخاري) (رقم 8 مسلم).

- قال رسول الله (ص): بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. (رقم 21 مسلم).

- ثم تابعه من جعل للإيمان خمسة أركان معتمداً على ما ورد في الحديث (رقم 7 مسلم):

- قال رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله. قال: صدقت.

تاركاً جملة من الأحاديث التي زادت في الأركان حيناً وأنقصت منها حيناً آخر، وفي مقدمتها الحديث (رقم 5 مسلم):

- قال رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر.

وليس هذا فقط، بل ترك جملة من أركان الإيمان الأخرى وردت في أحاديث أخرى، نسوق أمثلة منها:

- الإيمان بضع وستون شعبة. (رقم 9 البخاري).

- حب الرسول من الإيمان. (رقم 14 البخاري).

- الحياء من الإيمان. (رقم 24 البخاري).

- الإيمان هو العمل. وأفضل العمل: إيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وحج مبرور. (رقم 26 البخاري) وانظر ( رقم 36 البخاري).

- صوم رمضان من الإيمان. (رقم 38 البخاري).

- قيام رمضان من الإيمان. (رقم 37 البخاري).

- الصلاة من الإيمان. (رقم 40 البخاري).

- اتباع الجنائز من الإيمان. (رقم 47 البخاري).

- أداء الخمس من الإيمان. (رقم 73 البخاري).

 

وانطلقنا في كتابنا المشار إليه، من منطلق أن التراث البشري الإنساني يبقى تراثاً خاضعاً لما يخضع له التراث من عاديات التلف والضياع، واحتمال الغلط والسهو والنقص، والتأثر بالأهواء السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن منطلق أن التنزيل الحكيم ليس تراثاً، ولا يخضع لما يخضع له التراث. فهو باق ثابت على مدار العصور، يحمل في داخله ما يجعله صالحاً لكل زمان ومكان.

 

لكن القائلين بتقديس التراث وأصحاب التراث، يصرون على أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويصرون على أن ينظروا في قصص الأنبياء والكتب التوراتية ليعرفوا كيف بدأ الخلق، بدلاً من أن يسيروا في الأرض كما أمرهم التنزيل الحكيم.

 

وانطلقنا من منطلق أن التنزيل الحكيم هو أساس الأسس، وأصل الأصول، وأنه المحك المعياري الذي يجب أن تقاس عليه كل النصوص الأخرى. ودعونا إلى إعادة قراءته وتدبره وفهمه، قراءة معاصرة حديثة بعيدة عن كل قراءة مسبقة، ومرة أخرى وهم ناقدونا، فحسبوا أننا ندعو إلى نبذ التراث، وإلى رفض السيرة النبوية، وإلى الإقلال من قدر الأئمة السابقين. ولم يفهموا-غفر الله لهم- أن مجرد دعوتنا إلى التمسك بالتنزيل وفهمه وإعادة قراءته، تعظيم وتمجيد للرسول الأعظم الذي جاء به، صلى الله عليه وعلى آله وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

2 - الإيمان والمؤمنون

نبدأ القول في الإيمان، فقرأ قوله تعالى:

- ( الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ..) النساء 136.

- (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ..) الحديد 28.

- (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ..) محمد 2.

- (هو الذين أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ..) الفتح 4.

- (.. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) التوبة 124، 125.

 

ونلاحظ في الآيات الثلاث الأولى أن فعل آمنوا يتكرر مرتين في كل آية.

١-فلماذا؟ ما معنى أن يخاطب تعالى الذين آمنوا، فيأمرهم بأن يؤمنوا بالله ورسوله .. إلا إذا كان هؤلاء لم يؤمنوا بعد برسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله؟

٢-وما معنى أن يأمر تعالى الذين آمنوا بأن يتقوا الله ويؤمنون برسوله .. إلا إذا كان المخاطبون ليسوا من المتقين، ولم يؤمنوا بعد برسوله؟

٣-وما معنى أن يأمر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يؤمنوا بما نزل على محمد .. إلا إذا كان هؤلاء لم يصدقوا بالرسالة المحمدية بعد؟

 

ولا نحتاج مع هذه الآيات إلى تأمل كثير، لربط دلالاتها مع ما قلناه عن الإسلام والمسلمين، فإذا فهمنا أن الإسلام هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، فهمنا أن المقصود بالذين آمنوا في الآيات الثلاث هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وأن الله يطلب منهم أن يؤمنوا برسوله محمد وما نزل على محمد.

 

هنا يتضح ما قلناه من أن التنزيل إيمانين، ونوعين من المؤمنين. وأن في التنزيل كفرين مقابلين لهما وردا في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) النساء 137.

 

ونفهم أن المسلم قد يكون مؤمناً وقد لا يكون،

 

أي أن المؤمن بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، قد يكون مؤمناً بالرسالة المحمدية وقد لا يكون، لكن لا بد للمؤمن من أن يكون مسلماً أولاً.

 

ونأتي إلى الآيتين الرابعة والخامسة، لنجد أنهما تتحدثان أيضاً عن إيمانين، وليس عن إيمان واحد يزيد وينقص كما وهم البعض، حين فهموا من (فزادتهم إيمانا) و(فزادتهم رجسا) أنها زيادة انصبت في إناء واحد هو الإيمان، ولم يروا بأساً لتدعيم فهمهم هذا، بالاستشهاد بقول هرقل ملك الروم يرويه ابن عباس (رقم 51 البخاري).

 

أما نحن فنرى الإيمان إناءين، لا يحتمل كل منهما بذاته الزيادة أو النقص،

وشاهدنا في ذلك الآية الخامسة، التي تشبه الكفر بالمرض والإيمان بالصحة، والصحة كالمرض لا تتجزأ ولا تزيد ولا تنقص.

ونفهم من الآية الرابعة أن السكينة هي التنزيل الحكيم، وأن المؤمنين هم المؤمنون بالله واليوم الآخر والعمل الصالح الذين امتلأ إناؤهم الأول بهذا الإيمان، ثم نزلت هذه السكينة لتضيف (مع) إنائهم الأول إناء مترعاً آخر بإيمان آخر هو الإيمان بمحمد (ص) وكتابه.

 

فإذا ما عدنا إلى قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ..) الحجرات 14، وإلى قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) الحجرات 17.

 

رأينا الربط واضحاً في الآية الأولى بين الإسلام والإيمان، ورأينا الربط واضحاً في الآية الثانية بين الإسلام كإيمان أولي بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، والإيمان كإيمان ثان بالهدى والحق والرسل والكتب السماوية.

 

وفي الآية الثانية يمن الأعراب على الرسول الأعظم أن أسلموا، فيأمره ربه أن يقول لهم: لا تمنوا علي إسلامكم. لماذا؟

 

لأن الإسلام هو الفطرة، والفطرة هي الإسلام. فالفطرة التي توحي للنمل أن يدخل مساكنه كيلاً تدوسه الأقدام، وتوحي للسلاحف أن تحفر على السواحل لتضع بيوضها، هي ذاتها التي توحي للإنسان أنما إلهه إله واحد. ونقرؤ قوله تعالى:

- (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) الكهف 110.

- وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ..) النحل 68.

ولما كانت الفطرة من صنع الله الذي فطر الناس عليها، فلا منة لأحد غيره فيها. وذلك واضح في قوله تعالى:

- (ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) طه 37، 38.

 

والفطرة لا تحتاج إلى رسالة سماوية ولا إلى تعليم، لكن الإيمان من حيث كونه شعائر، ومن حيث هو سلوك وعمل، يحتاج إلى هداية وتعليم، والفضل فيه لله الذي أرسل الرسل بالهدى ونور الحق، يعلمون الناس الشعائر التي تقرب العباد من ربهم.

 

وهكذا نفهم أيضاً قوله تعالى عن الذين كفروا بمحمد (ع) بأن الإسلام هو الحد الأدنى المطلوب من الناس، وذلك في قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) الحجر 2.

 

من هنا نرى أن أركان الإيمان لا تتضمن التسليم بوجود الله واليوم الآخر والعمل الصالح، فتلك أركان الإسلام كما أسلفنا التي يجب أن تتوفر في الإنسان المتقدم من دائرة الإسلام إلى دائرة الإيمان. يقول تعالى:

- (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً، حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن اعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين) الأحقاف 15.

 

ونرى أن الإنسان يتجه بفطرته بادئ ذي بدء إلى وجود الله الخالق، فيقوده ذلك إلى الاعتقاد بأن لهذا الكون المخلوق نهاية، بعد ذلك يبحث عن الطريق إلى الله، للتعرف على ما يريده ربه منه، فيصدق بكتبه ورسله التي ترسم له هذا الطريق، ويبدأ بتطبيق الوارد فيها.

 

وعلى هذا تصبح أركان الإيمان بمحمد (ص) ورسالته تقوم على محاور، نلاحظ أنها توجهت جميعاً في التنزيل الحكيم إلى المؤمنين بالله واليوم الآخر والعمل الصالح:

- الإيمان بمحمد (ع) وبما أنزل عليه.

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ..) محمد 2.

- إقام الصلاة.

(.. إن الصلوة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء 103.

- إيتاء الزكاة.

(قد أفلح المؤمنون * .. * والذين هم للزكوة فاعلون) المؤمنون 1، 4.

- صوم رمضان.

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ..) البقرة 183.

- حج البيت.

(.. ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ..) آل عمران 97.

- الشورى.

(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ..) الشورى 38.

- القتال في سبيل الحرية ورفع الظلم ولا إكراه في الدين.

كتب عليكم القتال وهو كره لكم ..) البقرة 216.

 

بعد هذا كله نخلص إلى أن الإسلام أعم من الإيمان، فهو دين عام انساني لكل أهل الأرض، ولهذا سمي الدين الإسلامي وليس الدين الإيماني. ولهذا أيضاً قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) وقال: (ومن يبتغ غير الإٍسلام ديناً فلن يقبل منه).

 

أما الإيمان فخاص باتباع محمد (ع)، ولهذا سماهم التنزيل المؤمنين، ولهذا أيضاً سمي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ولم يسم أمير المسلمين، وسميت زوجات الرسول أمهات المؤمنين وليس أمهات المسلمين، ونخلص إلى أن أركان الإسلام هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (الأخلاق والمعاملات) وأن أركان الإيمان هي التصديق بالرسل والرسالات والشعائر والشورى والقتال.

 

وأن الله أخبر رسوله في التنزيل الحكيم بأن كل أهل الأرض لن يكونوا مؤمنين أي من أتباعه، ولا يجوز إكراههم على ذلك بقوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99.

 

ومن هنا نفهم الآية التي زعموا أنها تحوي أركان الإيمان وهي قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) البقرة 285.

 

هنا نلاحظ قوله المؤمنون جاءت بعد الرسول، وبما أن أتباع محمد (ع) هم المؤمنون قال (والمؤمنون كل آمن ..) وبما أن أركان الإيمان تكاليف ضد الفطرة جاءت الآية التي تليها تقول (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ..) البقرة 286.

 

وننتقل بعد أن تبين أمامنا الفرق بين الإسلام والإيمان، لإزالة التناقض بين قوله تعالى: اتقوا الله حق تقاته، وقوله تعالى: واتقوا الله ما استطعتم. يقول تعالى:

- (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) آل عمران 102.

- (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ..) التغابن 16.

- (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ..) البقرة 286.

 

ونفهم أن التكليف يتناسب مع الوسع والاستطاعة ولكن بما أن الاستطاعات تتفاوت من انسان لآخر، فستأتي التقوى متفاوتة من إنسان إلى آخر، وهذا يتعارض مع الآية الأولى التي تأمر الذين آمنوا بأن يتقوا الله حق تقاته، أي بغض النظر عن الوسع والاستطاعة .. فما المخرج هنا؟

 

والحل ببساطة يكمن في نهاية الآية الأولى وفي أولها. فهي تبدأ الخطاب موجهاً إلى الذين آمنوا، ولما كنا قد أسلفنا بوجود إيمانين في التنزيل، فأيهما المقصود هنا؟

وتأتي نهاية الآية لتوضيح أن المقصود هم المؤمنون بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، أي المسلمون. أما الآية الثانية فموجهة إلى المؤمنين بمحمد ( ع) ورسالته بما فيها من تكاليف.

إن المطلوب في تعاليم الإسلام أن تطبق حق تطبيقها كاملة:

أ- فليس هناك إيمان بوجود الله ما استطعنا.

ب- وليس هناك إيمان نبذل فيه كل جهدنا بأن الساعة آتية.

جـ- وليس هناك اجتناب لشهادة الزور وللغش في المواصفات على قدر الاستطاعة والوسع. كأن يأتينا من يقول إنه بذل جهده بألا يزني فلم يستطع. أو أنه حاول وسعه بألا يقتل فلم يقدر. فنقول له نحن أحسنت، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

من هنا نفهم أننا في القانون الفطري الأخلاقي (أركان الإسلام)، نتقي الله حق تقاته، ولهذا ختم تعالى الآية بقوله (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

 

أما في أركان الإيمان، فنتقي الله ما استطعنا (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ..)، لاحظ الآية قبلها كيف ذكرت ( المؤمنون) (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ..).

فالمريض يعفى من الصوم لأنه لا يستطيعه،

والحج مربوط أساساً بالاستطاعة (من استطاع إليه سبيلا)،

والقتال يسقط عمن لا يستطيعه،

والزكاة تسقط عمن لا مال لديه،

والشورى تطبق بحسب الإمكانيات والتطور التاريخي الموجود إذ ليس ثمة شورى مطلقة، إنما هناك شورى الإيمان بما مطلق والقتال من أجلها نسبي تاريخي، لأن أركان الإيمان تكاليف غير فطرية، لذا فهي تؤدي حسب الاستطاعة والوسع

 

3 - الاحسان والعمل الصالح

نعود إلى ثالث أركان الإسلام، العمل الصالح، الذي أغفلته كتب الأصول، وأدبيات التراث، فلا هو عندها في أركان الإسلام، ولا هو عندها في أركان الإيمان ونبدأ بقوله تعالى:

- (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) الشورى 13.

 

١-ونفهم أن الدين هنا هو دين الإسلام، المعتمد عند الله، والذي لا يقبل ديناً غيره، وهو دين غيره، وهو دين الهدى ودين الحق ودين القيمة، الموحى إلى محمد ( ع)، والذي بدأ بنوح وتراكم وتطور حتى آل إليه (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

 

٢-ونفهم أن هذا الدين هو الدين الذي وصى الله به نوحاً، وابراهيم وموسى وعيسى، وطلب منهم إقامته، ونفهم أن ثمة وصية أو وصايا مشتركة، ابتدأت من نوح وابراهيم وموسى وعيسى وحتى محمد وأخذت صيغة التراكم والتطور التاريخي، بدلالة قوله في مطلع الآية (شرع لكم) فما هي هذه الوصايا؟

ان هذه الوصايا، والتي نطلق عليها اسم الفرقان (الأخلاق)، أشرنا إلى تراكمها حتى أصبحت عشر وصايا من نوح إلى موسى ونسميها الفرقان العام، وهي أسس الإسلام الاساسي على مدى العصور والرسالات ، ثم ما زاد عليها سبحانه في رسالة محمد (ع) ونسميها الفرقان الخاص ، فهي كل مايبتعد عن الافساد في الارض وكل الاخلاقيات وكل المعاملات الحسنة بين الناس ومعاملة الوالدين على رأسها والقتل والسرقة والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن ...الخ كما تذكر الآيات وكما اجتمعت عليها كل الرسالات ، وقد توج الله تعالى خطابه للمؤمنين بهذه النعمة فيقول تعالى مخاطبا المؤمنين :-

 

سورة الأنفال الآية 29  {  يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم }

 

فهنا بشرى من الله تعالى الى انه سيجعل للمؤمنين الهاما يهديهم الى العمل الصالح في خطواتهم عندما يبدأون بالتقوى وبذلك يحصلون على نتيجته ان لهم فرقانا ملازما لهم من الله تعالى .

 

ولعل البعض بعد أن يقرأ كتابنا هذا، يميل إلى تسميتها بالفرقان الإسلامي الإيماني. ونوجز ما كتبناه فيما يلي، مستهلين بقوله تعالى:

- (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) الأنعام 151.

- (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) الأنعام 152.

- (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الأنعام 153.

 

1- التوحيد لا إله إلا الله:

 

2 - وبالوالدين إحسانا:

 

3 - ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياها:

4 - ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن:

5 - ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق:

6 - ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن:

7 - وأوفوا الكيل والميزان بالقسط:

8 - وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى:

9 - وبعهد الله أوفوا: وهو القانون الأخلاقي رقم (8)، ويعني عدم الحنث بالعهود والإيمان (المواثيق). (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) الرعد 20.

10 - وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل: وهو القانون الأخلاقي رقم (9)، ويعني الأخذ بما سبق كوحدة واحدة غير منقوصة، والاشتراك مع باقي الناس يداً واحدة في أتباعها، لأنها قوانين فطرية تحكم أساس التعامل بين أهل الأرض بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم وأن الكبائر هي مخالفة هذه الوصايا.

 

هذه الوصايا / القوانين الأخلاقية / الفرقان العام التي كانت منزلة قبل محمد (ص) وجاء برسالته ليكملها. فما هي المثل العليا والفرقان الخاص الذي جاء به خاتم الرسل، ليتم بها الدين والإيمان والعمل الصالح؟

ونفتح التنزيل الحكيم، لنجد العشرات من هذه المثل والقوانين مبثوثة في الآيات، ترسم للإنسان صراط لله المستقيم. وفي مقدمتها إفشاء السلام، واللين في القول، على أن نفهم أن السلام هنا، هو من السلم وترك الحرب وليس التحية كما تذهب الأدبيات الإسلامية.

 

ونلاحظ أن لهذه المثل العليا والقوانين الأخلاقية المواصفات التالية:

1 - تمثل الوازع الذاتي للانسان (الضمير) ويتم الالتزام بها من خلال التربية.

2 - هي قيم ذاتية ليس لها وجود خارج الوعي الإنساني، يمكن خرقها بسهولة لأنها ضعيفة بذاتها. لذا يجب تحويلها إلى قيم اجتماعية راسخة، بحيث يتعرض مخالفها أو مرتكبها لنبذ المجتمع واحتقاره.

3 - لا تحتاج إلى بينات ومحاضرات مملة في الدعوة إليها، لكونها فطرية تقبل بذاتها ولذاتها. فالصدق والأمانة فضيلة، والغش والكذب رذيلة دونما حاجة لبينات.

4 - لا تخضع للتصويت، ولا تخضع للرأي والرأي الآخر. بمعنى أنه لا يجوز لي اعتناق الكذب وعقوق الوالدين، لمجرد أن الآخر يرى القول بالصدق وبر الوالدين.

 

ولا ننسى أبداً أن العمل على ترسيخ هذه القيم وتعميقها لا يعني البتة نفي نقيضها من الوجود.

 

فالإسلام دين واقعي لا مكان فيه للوهم الطوباوي، ربط الخير والشر في هذا الوجود بظاهرة الموت في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون) الأنبياء 35.

بمعنى أن مثل الطامع بالغاء الشر كمثل الذي يطمع بالغاء قانون الموت وهذا محال.

5 - هي قيم تحمل الطابع الكوني الشمولي، تكمن حنيفتها في طريقة التعبير عنها لا في محتواها، وتخضع للإضافات تحت باب الحكمة التي لا تحتاج إلى وحي، ولا تنقطع على ألسن الحكماء، فهي محصلة خبرات الشعوب المتراكمة على مدى مسيرة التاريخ. إذ أن التاريخ أكبر حكيم واعظ يمثل خبرات الشعوب.

 

 

هكذا نخلص إلى تلخيص ما فعلته الأدبيات الإسلامية بالثقافة العربية الإسلامية وبالفكر الإسلامي اليوم:

 

حين ربطت مفهوم الدين والتدين بشعائر الإيمان باعتبارها من أركان الإسلام بعيداً عن المعيار الأخلاقي الذي ينطبق على معظم سكان الأرض، فأصبح الحكم على دين الانسان يتم بدلالة صلاته وصيامه، مهما كان شكل تعامله مع الناس اقتصادياً واجتماعياً.

 

وحين خلطت الحلال والحرام (وهو شرع إلهي) بالمسموح والممنوع (وهو قانون وضعي) بالمعروف والمنكر (وهو أعراف وتقاليد اجتماعية) بالحسن والقبيح (وهو ذوق فردي). حتى صار وجه المرأة حراماً .. وصوتها حراماً .. والموسيقى والنحت والتصوير حراماً .. والتثاؤب بفم فاغر حراماً لأنه يدخل الشيطان .. وقص الأظافر في الليل حراماً ..

 

وحين ألفت العديد من المجلدات في فقه الشعائر التي سمتها عبادات، ثم اختصرتها، ثم شرحت مختصرها، ثم أوجزت شرح المختصر، مع أن شعائر الإيمان بمجموعها من الوضوء إلى الصلاة والزكاة والصيام والحج سهلة بسيطة، جاءت إلى العالم والجاهل والكبير والصغير،

 

بينما لم يحظ الجانب الأخلاقي بمثل هذا الحيز والتفصيل؟؟!!

 

فأخذ الوجه الشعائري من الدين (أركان الايمان) الأولوية المطلقة على الوجه الأخلاقي )أركان الاسلام)، حتى انعكس ذلك في التربية المنزلية التي هي الأساس في تنشئة الطفل، فأصبح إفطار يوم من رمضان، أكبر كثيراً من الكذب.

 

يتم إرسال النموذج...

واجه الخادم خطأ.

تم استلام النموذج.

Real-Islam